السيد علي عاشور
86
موسوعة أهل البيت ( ع )
ونصح وهدى ؛ حتى أنقذ اللّه به من الهلكة ، وأنار به من العمى ، وهدى به من الجهالة والضلالة ، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيّا عن أمته ؛ وصلوات اللّه عليه يوم ولد ويوم بعث ويوم قبض ، ويوم يبعث حيّا ! وذكرت وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتنازع المسلمين الأمر بعده ، وتغلّبهم على أبيك ، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي عبيدة الأمين وحواريي « 1 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وصلحاء المهاجرين والأنصار ، فكرهت ذلك لك ؛ إنّك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظّنين « 2 » ولا المسئ ، ولا اللئيم ، وأنا أحبّ لك القول السديد ، والذكر الجميل . إنّ هذه الأمة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ، ولا قرابتكم من نبيّكم ، ولا مكانكم في الإسلام وأهله ، فرأت الأمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها ، ورأى صلحاء النّاس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامّهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما ، وأعلمها باللّه ، وأحبّها له ، وأقواها على أمر اللّه ، فاختاروا أبا بكر ، وكان ذلك رأي ذوي الدين والفضل ، والناظرين للأمة ، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التّهمة ، ولم يكونوا متّهمين ، ولا فيما أتوا بالمخطئين ، ولو رأى المسلمون أنّ فيكم من يغني غناءه ، ويقوم مقامه ، ويذبّ عن حريم الإسلام ذبّه ، ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه ، ولكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله ، واللّه يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا . وقد فهمت الّذي دعوتني إليه من الصلح ، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلو علمت أنّك أضبط مّني للرعيّة ، وأحوط على هذه الأمّة ، وأحسن سياسة ، وأقوى على جمع الأموال ، وأكيد للعدوّ ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ، ورأيتك لذلك أهلا ، ولكن قد علمت أنّي أطول منك ولاية ، وأقدم منك بهذه الأمّة تجربة ، وأكبر منك سنّا ، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني ، فادخل في طاعتي ، ولك الأمر من بعدي ، ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما يبلغ ، تحمله إلى حيث أحببت ، ولك خراج أيّ كور العراق شئت ؛ معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة ؛ ولك ألّا نستولي عليك بالإساءة ، ولا نقضي دونك الأمور ، ولا نعصي في أمر أردت به طاعة اللّه . أعاننا اللّه وإيّاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء . والسّلام . قال جندب : فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية ، قلت له : إنّ الرجل سائر إليك ، فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله ، فأمّا أن تقدّر أنه ينقاد لك ؛ فلا واللّه حتى يرى منّا أعظم من يوم صفّين .
--> ( 1 ) هو الزبير بن العوام . ( 2 ) ب : « ظنين » .